الشيخ عباس ( نجل الشيخ حسن صاحب كتاب أنوار الفقاهة )

15

رسالة في الإمامة

لا تحتاج إلى وجود شخص معيّن ، على إنه يجب كفاية حفظه على جميع المكلفين نظير حفظ بيضة الإسلام عند خوف غلبة الكفار . وأما السنّة فهي أيضا محفوظة من جهة وجود الصحابة الكرام ، فإنهم صحبوا النبي ( ص ) برهة من الدهر حتى أخذوا أحكام الله تعالى بأسرها منه وتلقوها عنه وبلغوها غيرهم ، وأخذتها الناس يدا بيد ، أو إحتفظوها كالقرآن ودونها ، فهي والقرآن مأمونان مِن الزوال إلى أبد الآباد ، فلا يلزم تعيين حافظ غير الصحابة من جانب الله تعالى ، إذ هو تحصيل حاصل نظير بعث نبي بعد نبي في تبليغ شريعة واحدة في عصر واحد ، فحينئذ دعوى احتياج الشريعة إلى إمام حافظ مثل النبي ممنوعة أشّد المنع ، هذا أقصى ما يقرر في الإشكال على المقدمة المزبورة من جانب الخصم ، ومع ذلك هو صورة بلا معنى أو هيولا بلا صورة ، كسراب بقيعة ، فإن قياس السنّة بكتاب الله تعالى قياس مع الفارق ، نظراً إلى أن الكتاب المجيد صدر من مصدر الجلال الإلهي ، والحفّاظ والكتّاب عند نزوله دونوه وحفظوه وضبطوه أشد الضبط ، واجتهدوا في حراسته على حد المحافظة لساير كتب العلوم ، حتى إنهم طالما يتنازعون في الهمزة والضمة والكسرة منه ، إلى أن دوّنت الكتب في ذلك ، ولذلك كان الكتاب المجيد متواتراً وباقياً إلى يوم القيامة نظير الكتب الدينية وغير الدينية الباقية في الناس على الدوام لاشتمالها على المصالح الدينية والدنيوية ، أو لميل طباع النوع الإنساني إلى بقاءها كما هو المشاهد في كتب القصص والحكايات والأشعار ، وليس الكتاب العزيز بأقل منها . وأما السنّة النبوية المشتملة على بيان النبي ( ص ) للأحكام فمن المعلوم إن بيان الأحكام بأسرها دفعة واحدة لم يقع منه ، بل غير ممكن